السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

323

مفاتيح الأصول

الأفاضل بعد ما ذكره المحشي بقيل أقول وأنت خبير بأن هذا الفرق محلّ نظر لأن توفر الدّواعي إما أن يقتضي النقل بجميع خصوصيات القرآن متواترا أو لا وعلى الأول يجب تواتر المادة والهيئة معا وعلى الثاني لا يجب تواتر خصوصيات جوهر اللفظ أيضا فإنه ربّما لم يتفاوت الحال في التحدي واستنباط الأحكام باختلاف ملك ومالك ودعوى أن اختلاف الأحكام أو يخلّ بالتحدي وغيره لا يستلزم ذلك تحكم بل ربما اختلاف الحال باختلاف الحركات والسّكنات أكثر من اختلافه باختلاف بعض الجواهر ولهذا حكم الشارح العلامة بأن هذا الفرق ضعيف انتهى وبما قررنا ظهر اندفاع بحثه فإنه ليس المراد بما يكون من قبيل الهيئة كلَّما يكون من الهيئة بالمعنى المشهور بل ما لا يختلف المعنى باختلافه كما صرّح به المحشي كالمد والقصر وعلى هذا فلا تحكم ويكون قوله بل ربّما اختلاف الحركات والسّكنات إلى آخره ظاهر الفساد لأنه على ما قررنا يقولون بعدم وجوب التواتر في الحركات والسّكنات بل في المدّ والقصر وأمثالهما مما لا يختلف المعنى باختلافه أصلا انتهى وللقول الثالث وجوه منها خبر الفضيل بن يسار الَّذي عدّ صحيحا قال قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام أن النّاس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف فقال كذبوا أعداء اللَّه ولكنه نزل على حرف واحد من عند واحد ويؤيده خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال إن القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة ومنها ما ذكره السيّد نعمة اللَّه من أن كتب القراءة والتفسير مشحونة من قولهم قرأ حفص وعاصم كذا وفي قراءة علي بن أبي طالب وأهل البيت عليهم السلام لذا بل ربما قالوا وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله كذا أيضا من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين والحاصل أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين عليهم السلام فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس ومنها ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن القراءات السبع من آحاد المخالفين استندوا بالقراءات بآرائهم وإن استندوا بعض قراءاتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فلا يجوز أن يدعى تواتر قراءاتهم ولا يجوز الاعتماد على استنادهم إلى النبي صلى الله عليه وآله أحيانا وقال أيضا بعد الإشارة إلى وقوع الزيادة والنقصان في القرآن في عصر النبي صلى الله عليه وآله والصحابة وأما العصر الثاني فهو زمان القراء وذلك أن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب والنقط كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا عليه السلام نعم ذكر جمال الدين السيوطي في كتابه الموسوم بالمطالع السعيدة أن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية وبالجملة لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية كما تصرفوا في النحو صاروا إلى ما دونوه من القواعد المختلفة قال محمد بن بحر الرهني أن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القاري الذي بعده كانوا لا يخيرون إلا قراءته ثم لما جاء القاري الثاني انتقلوا عن ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني وكذلك في القراءات السبع فاشتمل كل واحد على إنكار قراءته ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم مع أن في زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة ولا عددا معلوما من الصحابة للناس يأخذون القراءات عنهم ثم ذكر قول الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وآله على الحوض إذا سألهم كيف خلفتموني في الثقلين من بعدي فيقولون أما الأكبر فحرفناه وبدلناه وأما الأصغر فقلناه ثم يرادون عن الحوض ومنها ما ذكره بعض الأجلة من أن هذا التواتر المدعى إن ثبت فإنما هو بطريق العامة الذين هم النقلة لتلك القراءات والرواة لها في جميع الطبقات وإنما تلقاها غيرهم عنهم وأخذوها عنهم وثبوت الأحكام الشرعية بنقلهم وإن ادعوا تواتره كما لا يخفى ما فيه ومنها ما ذكره الرازي في تفسيره الكبير فإنه قال اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر وفيه إشكال وذلك لأنا نقول هذه القراءات إما أن تكون منقولة بالنقل المتواترة ولا تكون فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها بالجواز وإذا كان كذلك ترجيح بعضها على بعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فيجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم الكفر كما ترى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره وأما إن قلنا أن هذه القراءات ما ثبت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل بالإجماع ثم قال ولقائل أن يجيب عنه فيقول بعضها متواتر ولا خلاف بين الأمة فيه وفي تجويز القراءة بكل واحد منها وبعضها من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بالكلية عن كونه قطعيا انتهى ومنها أنها لو كانت متواترة لكان ترك البسملة من أوائل السور عدا الحمد متواترا لأنه من قراءة بعض السبعة فيلزم جواز تركها في الصلاة وهو باطل للأدلة الدالة على عدمه وقد بيناها في المصابيح